على الغرب أن يعامل العالم الإسلامي بنفس الإنصاف، الذي يعامل به إسرائيل. فالمسلمون لا يقلون قيمة عن اليهود والنصارى.
إن مزيجاً من التعالي والتجاهل والكراهية يدعو كثيراً من الغربيين إلى الاعتقاد أن الإسلام ديانة دموية؛ فينظر إلى المسلمين على أنهم إرهابيون افتراضيون، ومعادون للمرأة واليهود والمسيحيين. صديق الرئيس الأمريكي جورج بوش ومستشاره الديني فرانك غراهام Frank Graham وصف الإسلام بأنه "حقاً دين شرير وكاذب". أما بيل أوريلي Bill O’Reilly محط إعجاب المحافظين الأمريكيين على شاشة التلفاز فقد قال: "ليس بإمكاننا دائماً التدخل في العالم الإسلامي. ما يمكننا فعله، هو أن نقصفه، حتى يصبح أثراً بعد عين." وأما المعلقة الأمريكية على شاشة التلفاز آن كولتر Ann Coulter فتعلق قائلة: "إن علينا احتلال بلادهم، وقتل قادتهم، وتحويل شعوبهم إلى المسيحية." "علينا إنهاء السباق الوطني في الخضوع أمام المؤخرات، وقصف سوريا لنعود بها إلى العصر الحجري، ثم نزع سلاح إيران إلى الأبد." وقائمة مثل هذه التصريحات يمكن أن تمتد طويلاً.
على المرء أن يتخيل لثانية واحدة، لو أن غراهام وأوريلي وكولتر استخدموا بدل كلمة "إسلام" كلمة "اليهودية" وبدل عبارة "بلاد إسلامية" كلمة "إسرائيل"؛ أما كانت ستندلع بحق عاصفة عاتية من الاستنكار؟ لماذا يجوز لأحدهم رمي المسلمين ودينهم بأمور فاشية، هي مرفوضة بحقٍ في سياق المسيحيين واليهود؟ يجب علينا الاقلاع عن النظر إلى الإسلام والمسلمين على أنهم شياطين. فهذه النظرة ليست مخجلة فحسب، ولكنها تضر بمصالحنا أيضاً.
كما أن تعميق الشرخ بين الشرق والغرب يُعرِّض علاوة على ذلك على المدى المتوسط والبعيد أمن إسرائيل للخطر. الضمانة الأطول أمداً من أجل بقاء إسرائيل مع ملايينها الخمسة من اليهود ليس العداء ولكن الصداقة مع أكثر من 300 مليون من جيرانها العرب القريبين والبعيدين. وهنا ينبغي على الغرب وعلى إسرائيل أيضاً المساهمة بشكل منصف في ذلك.
لم ينل اليهود رفعتهم الأخلاقية من خلال الانتصارات العسكرية، ولا حتى بسبب مواهبهم الكثيرة المثيرة للإعجاب. لقد حازوا رفعتهم الأخلاقية وخصوصيتهم بسبب خشيتهم من الله ولحكمتهم وإنسانيتهم وملكاتهم الخلاقة، وكذلك من خلال نضالهم الطويل والشجاع بكثير من الدهاء ضد الاضطهاد. أن تعتمد إسرائيل بعد الهولوكست على السلاح، أمر يمكن تفهمه؛ كذلك القسوة، التي تستخدمها لحماية مصالح مشروعة. لكن القسوة دون العدالة هي استراتيجية دون أفق. عندما لا تقوم إسرائيل الخلاقة إلا بالتدمير، فهي تدمر بذلك نفسها. على إسرائيل، كما على الغرب كله، على الأقل أن يستثمر في إحقاق العدالة كما في السلاح. إن معاملة الفلسطينيين لا تتوافق مع الرفعة الأخلاقية والخصوصية للشعب اليهودي. وكل امرئ معجب بالثقافة اليهودية لا يمكنه تجاهل هذه الحقيقة.
كذلك يتوجب على الفلسطينيين تغيير سياستهم. والغرب على حق حين يطالبهم بالتخلي عن العنف تجاه إسرائيل. ولكن ألا يجب عليه أيضاً، أن يطالب إسرائيل بالتخلي عن العنف تجاه الفلسطنيين؟ تبعاً لبيانات منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية بتيسليم قتل 2007 في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني 13 إسرائيلياً، وفي المقابل سقط 384 من القتلى الفلسطينيين بيد قوات الأمن الإسرائيلية.
المصالحة بين اليهود والعرب ممكنة، تماماً كمعجزة الصلح بين الألمان والفرنسيين. فاليهود والعرب يجمعهم دينياً وثقافياً وتاريخياً أكثر مما يعيه غالبيتهم. هم ينتمون "بإبراهيم وموسى إلى نفس الأبوين"، كما عبر عن ذلك مصيباً رئيس إسرائيل شمعون بيريز. لقد طردوا معاً على مر مئات السنين - ليس فقط خلال الحروب الصليبية وحملة إعادة السيطرة في إسبانيا. فحكومة فيشي الفرنسية مثلاً طبقت ضد اليهود نفس قوانين التمييز العنصرية، التي جربتها قبل ذلك "بنجاح" مع الجزائريين (أوليفه لي كور غروموسن Olivier Le Cour Grandmaison).
تقع على عاتقنا نحن الألمان مسؤولية تاريخية تجاه إسرائيل وحقها في البقاء - أمس واليوم وغداً. إن للشعب اليهودي بسبب تاريخه وبعد كل الذي عاناه وصبر عليه مدى آلاف السنين، الحق في وطن آمن في فلسطين. ولكنْ تماماً لهذا السبب تقع على عاتقنا أيضاً مسؤولية تاريخية تجاه الفلسطنيين. فهم يدفعون ثمن الوزر، الذي اقترفته ألمانيا إلى الأبد بفعلة الهولوكست. ألم يكن عالم السياسة اليهودي ألفرد غروسر Alfred Grosser محقاً عندما قال: "الذي يريد أن ينفض عنه هتلر، فعليه (أيضاً) أن يدافع عن الفلسطينيين"؟
عبرة الهولوكست الحقيقية تتلخص في أن علينا أن لا نقف بعد اليوم متفرجين ونحن مكتوفي الأيدي، عندما يضطهد البشر وتُنزع منهم حقوقهم ويُذلّوا. لقد كان واجباً علينا وقتها أن نتدخل لصالح اليهود، عندما كانوا ضعفاء، وليس اليوم بعد أن غدوا أقوياء وأصحاب نفوذ. فالشجاعة المتأخرة هي الأخت الإنتهازية للجبن. هي حقاً لتمثيلية غريبة، تلك التي يعرضها علينا بعض السياسيين الغربيين، عندما يصبحوا من عام إلى عام أشد عزماً وأكثر بسالة في "النضال" ضد ظلم الأمس، بينما هم بُكْم حيال ظلم اليوم. بالصمت يمكن للمرء أيضاً أن يقترف ذنباً.
إن التحدي في عصرنا هذا يتجسد في المساعدة على تضميد الجراح المفتوحة في الشرق الأدنى والأوسط، وذلك من خلال ضمانات أمنية لإسرائيل، توجب على أوروبا مساهمة عسكرية قوية، وأيضاً من خلال المساعدة في بناء دولة فلسطينية قادرة على الحياة. إن علينا أن نبني الجسور وليس الجدران. ونموذج دولة فلسطينية مدعومة من الغرب، تعترف بحق إسرائيل في الوجود ضمن حدود عادلة، وتقف ضد كل شكل من أشكال الإرهاب، يُعدُّ بداية حقيقية للشرق الأوسط، بل أيضاً للعلاقة الشاملة للعالم الغربي بالعالم الإسلامي.
لا يمكننا أن نستمر على ما نحن عليه اليوم. إن "الحروب على الإرهاب" ضد البلاد الإسلامية أفغانستان والعراق فاقت نفقاتها حتى الآن 700 مليار دولار، لتصبح أكثر كلفة من حرب فيتنام. في العراق وحده ينفق الأمريكيون سنوياً أكثر من 100 مليار دولار من أجل الحرب، وأقل من خمسة مليارات لإعادة البناء الاقتصادي. هل يمكن للمرء على ضوء هذه الأرقام أن يسأل جديا، كيف يمكن أن يبدو البديل الناجح "لسياسة الحرب على الإرهاب" الحالية؟ من واجبنا قلب هذه النسبة الرقمية. وعلينا أن نعامل العالم الإسلامي بنفس الإنصاف والسخاء، الذي نعامل به إسرائيل. علينا أن نسلب الإرهاب الدولي كل الحجج.





