حب الله وحب الغير تعاليم جوهرية، ليست في الكتاب المقدس فقط، وإنما في القرآن أيضاً.

 

عند مقارنة النصوص يبدي القرآن تسامحاً لا يقل عما في العهدين القديم والجديد. إلا أن الإله وأنبياءه يعبرون أحياناً بطريقة تعكس طابعاً حربياً. وهكذا يذكر العهد القديم في سفر العدد الأصحاح 31،  7 و15 و17: "فَتَجَنَّدُوا عَلَى مِدْيَانَ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ وَقَتَلُوا كُلَّ ذَكَرٍ... وَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: «هَلْ أَبْقَيْتُمْ كُلَّ أُنْثَى حَيَّةً؟ ... فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ. وَكُلَّ امْرَأَةٍ عَرَفَتْ رَجُلاً بِمُضَاجَعَةِ ذَكَرٍ اقْتُلُوهَا."

 

في العهد الجديد في إنجيل متى 10، 34 يروى عن عيسى قوله: "لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا." وفي كلماته التي ألقاها على المأدبات صرح البروتستانتي البليغ مارتن لوثر: "إن المرء لا يحتاج مع الزنادقة إلى طويل سؤال وجواب. بينما يهلكون على أكوام الحطب، على صاحب الدين أن يزيل الشر من جذوره، وأن يسبَّح يديه بدماء الأساقفة والبابا." ولا يقل حربية عن ذلك ما ورد في السورة 89، آية 4: "وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ."

 

إن المتطرفين وخطباء الكراهية في الشرق والغرب يكادون يتجاهلون دائماً السياق التاريخي لتلك الفقرات. فموسى وعيسى ومحمد لم يولدا في فراغ تاريخي، بل في عالم شغف بالحرب. وبالمناسبة فإن التأمل السطحي قد يظهر العهد القديم من خلال مقولاته التاريخية على أنه الأكثر دموية بين الكتب الثلاثة المقدسة، أكثر دموية من القرآن. لكن كل عارف بالعهد القديم يعلم أن أكثر تعاليمه أهمية - بعد الوصية بحب الله والقسط - يقول: "بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ." (سفر اللاويين الأصحاح 18، 19). وكذلك الأمر عند المسيحيين فإن حب الغير والقسط أهم وصيتين بعد حب الله (إنجيل متى الأصحاح 5، 6 و10).

 

وبالنسبة للمسلمين فإن القرآن يقرر: "وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ" (السورة 4، آية 36). وكذلك في الإسلام فإن الوصايا العشرة لها صلاحيتها بما فيها النهي عن القتل، باستثناء الوصية بيوم السبت، لأن الرب لا يحتاج تبعاً لفهم الإسلام إلى يوم للراحة بعد خلق الكون. إن القرآن يطالب "بإنسانية أكثر وبعدل أكبر" (هنس كونج Hans Küng). إن المعضلة الأساسية في حلقة النقاش الغربية حول القرآن تتجسد، في أن الجميع يتحدثون عنه؛ أما عناء قراءته فبالكاد قد تحملها أحد. إن الفقرات القرآنية ذات الطابع الحربي عنيت - كما بين وزير الأوقاف المصري محمود زقزوق محقاً - "بشكل جلي بالحروب الدينية السالفة بين مكة والمدينة، أي بأهل مكة والمدينة في ذلك الوقت فقط."

 

السورة 29، تقول في الآية 46: "وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ"، حتى ولو كان هذا الإله يسمى بالعبرية يهوا وبالعربية الله - كما هو أيضاً عند المسيحيين. ألا يكون تجديفاً غاية في الإنكار، عندما يسيء اليهود والمسيحيون والمسلمون استخدام الكتاب المقدس والقرآن كأسلحة، من أجل أن يلقِّن بعضهم الآخر قناعاته حول هذا الإله الواحد؟

 

الإرهاب لا يكون دينياً أبداً. لا يوجد إرهاب "إسلامي"، تماماً كما لم يكن الإرهاب في شمال إيرلندا يوماً "مسيحياً" أو "كاثوليكياً". الإرهابي الذي يعتمد الوسائل الشيطانية، لا يمكنه اتخاذ الله ذريعة لأفعاله. إن الذي يوجد إنما هو إرهاب مقنع بالإسلام، وهو لا يؤدي إلى الجنة، كالحروب العدوانية المقنعة بالمسيحية أو بالديموقراطية، بل إلى النار. المقولة بأن العنف إنما هو بالدرجة الأولى مشكلة دينية، هي أسطورة الملحدين. لقد أجرم البشر قبل الدين، وكذلك بعده. فجرائم الإبادة الجماعية للنازيين، وتلك التي نفذها الشيوعيون الصينيون والسوفييت، لهي دليل مفجع، على أن الإنسان هو أشرس الخلائق - بالدين وبدونه.

 

إن الافتتان المرعب بإرهاب الانتحاريين الحالي يرتكز على فجورين: على فجور بعض الساسة الغربيين، الذين لا يفتئون يسفكون الدم المسلم بنسبة 1 إلى 10؛ وعلى الفجور، الذي يزيف به من يقف وراء الإرهاب القرآن، ويقدم به للشباب المسلم الادعاءات الباطلة بأن ما عليهم إلا أن يفجروا أنفسهم في الهواء كانتحاريين، حتى يصبحوا شهداء في سبيل الإسلام.

إضغط هنا كي تعود إلى الأبحاث العشرة